حسن الأمين
128
مستدركات أعيان الشيعة
واستعمال أنواع الدخان ( سنة 1309 ) . ففي المجلس الذي دعت اليه السفارة العثمانية ، تناول السيد البهبهاني لفافة تبغ ( سيكارة ) وأشعلها بحضور علماء الدين والمدعوين من دون أي محاباة لهم ، وهتك بذلك حرمة التحريم ، وقال في جواب اعتراض بعض العلماء عليه : « أنا مجتهد ، وأنا عارف بتكاليفي » ، وأفتى صراحة بان اتفاقية حصر التنباك هي مفيدة ، ولا مانع شرعي أيضا من استعمال التنباك . كان هذا التاريخ مبدأ جلب البهبهاني انتباه واهتمام ( الأتابك ) ، ( 1 ) وكان الأتابك يحيل إليه - أحيانا - دعاوي الدولة ، وشيئا فشيئا توطدت علاقته بالأتابك ، وكانت هذه الصداقة مهمة جدا للبهبهاني في بسط نفوذه وتوسعه المادي ، وخلال مدة السنة والنصف التي كان فيها الأتابك عاطلا عن العمل ومنهمكا في قم باعداد الدسائس ضد الدولة ، كان البهبهاني يبذل مساعيه لإعادته . وبعد عودة الأتابك ، أدت كثرة القروض والتكاليف الباهظة لرحلات مظفر الدين شاه ، إلى ائتلاف مجموعة من الوطنيين مع مخالفي الأتابك وقاموا بتظاهرات مضادة له ، وأشعلوا ألسنة النقد والاعتراض عليه ، ولكن الأتابك لجا إلى إهدار مقادير من الأموال غير المتعوب عليها واستطاع بمساعدة أنصاره ومعاونيه إسكات مخالفيه . وعلى مدى حوادث الدورة الثالثة لتصدي الأتابك كان البهبهاني في الصف الأول من المدافعين عنه ، كما كان يستفيد من علاقته الحميمة به . أدت القروض المتتالية ، بالشروط الصعبة التي كانت جميعها مضرة لإيران ، إلى اختلال التوازن في السياسة الخارجية ، وأضحت البلاد أسيرة بيد الروس . لقد دفع النفوذ المتزايد لدولة روسيا وسياسة الجانب الواحد لدولة إيران ، إلى ترسيخ عزم مخالفي الأتابك في معارضتهم ، وانضم إليهم كل من الشيخ فضل الله نوري والسيد محمد الطباطبائي . وفي تلك الأوقات ، سافر هاردينك الوزير الانكليزي المنتدب ، برفقة تشرشل مدير السفارة الإنكليزية إلى الخليج الفارسي ، بدعوة من اللورد كرزن ( نائب الملك في الهند ) وأجروا معه مباحثات حول إيران ، وتوجهوا معه إلى بغداد والنجف ، ثم عادوا إلى طهران ، وهناك ضغطوا على مظفر الدين شاه لطرد الأتابك . كفر علماء النجف الأتابك ( 2 ) ، وكانت النهاية أن اشتدت عليه الضغوط الداخلية والخارجية فانجرت إلى استعفاء الأتابك وخروجه من إيران ، وحل مكانه عين الدولة ( سلطان عبد المجيد ميرزا ) في شهر رجب سنة 1321 . كان عين الدولة رجلا قويا وذكيا ، ولكنه كان لا يتمتع بتدبير الأتابك وسياسته وحلمه ، ولم يتعلم أيضا من عاقبة الأتابك ، ومال في سياسته الخارجية إلى الروس ، ولكنه سلك في السياسة الداخلية ممشى مخالفا لما سار عليه الأتابك ، فعزل جميع أنصار الأتابك من المراكز الحساسة ، واستبدل الاقتراض الخارجي بضرائب فرضها على الوزراء والحكام وأصحاب النفوذ في الداخل ليسد عجز الخزينة ، كما أخذ من الميرزا نصر الله خان مشير الدولة وزير الخارجية مبلغ مائة ألف تومان ، ومن شوكت الملك حاكم قائنات ثلاثين ألف تومان ، ومبالغ كبيرة من نصر السلطنة التنكابني وأمير أفخم همداني وأمثالهم بعنوان ( الخلو ) لأعمالهم . ومن البديهي أن هذه الأموال لم تكن تخرج من الجيوب المباركة ! لأصحاب المقامات ، بل كانوا يجنون أضعافها من الأرباح وينفقونها في التجملات وشراء الأملاك والمنتزهات والادخار والرحلات . وكما طرد عين الدولة أنصار وأعوان الأتابك ، كذلك لم يعتن بالمجتهدين الذين كانوا مقربين إليه ، بل كان يتصرف تجاههم بغرور وكبرياء . وبما أن البهبهاني كان مقربا من الأتابك ، فلذا نالته سوء معاملة عين الدولة ، فقطعت عن محضره مرافعات الدولة ، وغدا الشيخ فضل الله نوري - الذي كان مخالفا للأتابك ومتفوقا علميا على أكثر علماء طهران - موضع عناية عين الدولة ، فكانت الأعمال الأساسية تحول إليه أو إلى السيد علي أكبر تفرشي . غضب البهبهاني من الوضع الذي آل إليه أمره ، واشتد حنقا عندما رد عين الدولة المغرور ، عدة مرات ، توقيعاته بشدة وأجاب عليها بصراحة ، فبدأ يضمر له الخصومة والعداء . وفي هذه الأيام - المصادفة لأوائل ولاية عين الدولة - حدث نزاع بين طلاب مدرسة الصدر وطلاب مدرسة المحمدية ( لأجل السيطرة على المدرسة الآصفية ، فأصيب بالجراح عدد من طلاب مدرسة الصدر الذين كانوا يحاولون السيطرة على المدرسة الآصفية ، بواسطة المدافعين عنها من طلاب المدرسة المحمدية . فأصدرت حكومة طهران أمرا بملاحقة معتمد الإسلام الرشتي الذي كان المحرك لطلاب المدرسة المحمدية ، فالتجأ إلى منزل البهبهاني واختفى فيه . ضاق طلاب مدرسة الصدر من البهبهاني ، وأثارهم - سرا - السيد أبو القاسم إمام الجمعة ، فقاموا بمهاجمة البهبهاني أثناء عودته في إحدى الليالي من منزل الشيخ فضل الله ، ومع أن البهبهاني لم يصب بأذى وفر بمهارة من أرض المعركة ، إلا أن أنصاره رفعوا شكوى بالحادث إلى حكومة طهران التي بادرت - بأمر من عين الدولة - إلى اعتقال ثلاثة عشر طالبا من طلاب مدرسة الصدر ، وقيدتهم بالسلاسل وطافت بهم في عربة تجرها الدواب في شوارع المدينة ، ثم سلمتهم خارج أبواب المدينة إلى شرطة ( أمير بهادر ) وأبعدوا إلى أردبيل ( بما أن العدد ثلاثة عشر هو رقم نحس ، فلذا أضاف إليهم ضباط أمير بهادر طالبا بريئا ! ) . أحدث اعتقال الطلاب بهذه الطريقة المهينة حالة من الهيجان في طهران ، فأرسل البهبهاني رسالة إلى عين الدولة يصفح فيها عن الإهانة التي وجهت إليه ، طالبا إطلاق سراح الطلاب . ولكن عين الدولة رفض طلبه ورد بشدة وغلاظة قائلا : « ليس لك أن تتدخل في شؤون الدولة » . وبهذا الابعاد المشين للطلاب ، أظهر عين الدولة معارضته لرجال الدين بكل وضوح ، وأثار الرأي العام عليه ، وكانت هذه إحدى شطحاته السياسية .
--> ( 1 ) هو ميرزا علي أصغر خان أتابك . ( 2 ) ليس لهذا التكفير أي علاقة بسفر هاردينك .